يناقش يوسف منير، الباحث ورئيس برنامج فلسطين إسرائيل، في هذا التحليل تعثر المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ويؤكد منذ البداية أن عوامل الفشل مدمجة في صلب الخطة نفسها. 


اتفاق وقف النار والمرحلة الأولى: تنفيذ ناقص وزخم متبدد

 

يستهل الكاتب مقاله المنشور على موقع المركز العربي واشنطن دي سي بالعودة إلى مشهد الثالث عشر من أكتوبر 2025، حين اجتمع أكثر من عشرين قائدًا عالميًا في شرم الشيخ لمشاهدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوقع اتفاقًا أعلن من خلاله “السلام في الشرق الأوسط” وإنهاء حرب إسرائيل على غزة التي استمرت عامين. جاء الاتفاق، وفق الكاتب، استجابة لغضب عالمي واسع من القتل والتجويع والتطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطينيون في القطاع المحاصر.


لكن بعد أربعة أشهر، يكشف الواقع على الأرض صورة مغايرة تمامًا. يواصل الجيش الإسرائيلي قتل الفلسطينيين بشكل شبه يومي، ويبدأ الإعلان عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في يناير 2026 رغم عدم استكمال تنفيذ المرحلة الأولى. ويرى الكاتب أن فرص التقدم تبقى ضعيفة، خاصة مع تراجع الزخم الدولي الذي كان عنصرًا حاسمًا في الوصول إلى اتفاق شرم الشيخ.


يركز المقال على أن المرحلة الأولى بدت الأسهل لأنها انحصرت أساسًا في تبادل الأسرى. أفرجت حركة حماس عن جميع الأسرى الأحياء الذين كانت تحتجزهم، وسهلت إعادة جثامين القتلى، وهو ما نال إشادة ترامب نفسه. في المقابل، أطلقت إسرائيل سراح قرابة ألفي معتقل فلسطيني، لكنها واصلت حملات الاعتقال.


أما الالتزامات الأخرى، مثل وقف الأعمال القتالية، والانسحاب إلى خطوط متفق عليها، والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية بلا عوائق، فيرى الكاتب أن إسرائيل أخفقت في الوفاء بها. أعادت القوات الإسرائيلية رسم خطوط انتشارها مرات عدة، واحتلت مساحات إضافية داخل غزة، وأدى إطلاق النار الإسرائيلي إلى مقتل نحو 600 فلسطيني وإصابة أكثر من 1600 آخرين.

 

كما بقيت المساعدات الإنسانية دون المستوى المتفق عليه، إذ سجلت الأمم المتحدة دخول أقل من 13 ألف شاحنة خلال نحو أربعة أشهر، بمعدل لا يتجاوز مئة شاحنة يوميًا، مقارنة بـ600 شاحنة نص عليها الاتفاق.


المرحلة الثانية: عقبات سياسية ومؤسسات هشة


ينتقل الكاتب إلى المرحلة الثانية، ويؤكد أنها أكثر تعقيدًا من سابقتها بسبب طبيعتها السياسية الواضحة. تنص هذه المرحلة على انسحاب إسرائيلي شبه كامل من غزة، وترسيخ وقف إطلاق نار دائم، ونشر قوة دولية للاستقرار، ونزع سلاح حماس، ونقل السلطة إلى إدارة انتقالية، والشروع في إعادة الإعمار.


يفترض أن تشرف على هذه العملية منظومة مؤسساتية معقدة تضم “مجلس السلام” رفيع المستوى، ولجنة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة غزة، وقوة استقرار دولية، ومركز تنسيق مدني-عسكري. لكن بعد ستة أشهر من الاتفاق، ما زالت هذه الهياكل في بداياتها.


يوضح الكاتب أن “مجلس السلام”، الذي يرأسه ترامب شخصيًا مدى الحياة، لم يكتمل تشكيله بعد، رغم دعوة أكثر من خمسين دولة للانضمام إليه، في حين وافقت نحو خمسٍ وعشرين فقط. كما يشير إلى أن العضوية الدائمة تتطلب مساهمة مالية ضخمة تبلغ مليار دولار، من دون وضوح حول أوجه إنفاقها، فضلًا عن غياب ذكر غزة أصلًا في ميثاق المجلس.


أما اللجنة الوطنية لإدارة غزة، فقد تشكلت رسميًا، لكنها لم تدخل القطاع بعد. تعلن حكومة حماس استعدادها للتعاون الكامل معها، غير أن إسرائيل تواصل السيطرة على جميع المعابر، وتمنع اللجنة من بدء عملها.


بالنسبة لقوة الاستقرار الدولية، لم تتشكل حتى الآن، باستثناء تعهد إندونيسي بالمشاركة. يلفت الكاتب إلى أن الغموض حول مهام هذه القوة، وطبيعة تعاملها مع حماس أو الجيش الإسرائيلي، ومدة انتشارها، يثني الدول عن إرسال قواتها.


كما ينتقد المقال أداء مركز التنسيق المدني-العسكري، الذي أُنشئ جنوب إسرائيل لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار وتدفق المساعدات، لكنه فشل في وقف الانتهاكات الإسرائيلية أو ضمان دخول المساعدات، ما دفع دبلوماسيين أوروبيين لوصفه بأنه “عديم الاتجاه” و”كارثة”.


عوامل أعمق للفشل: واشنطن وتل أبيب بلا رؤية سياسية


يؤكد الكاتب أن مشكلات المرحلة الثانية لا تعود فقط إلى خلل مؤسساتي، بل إلى عوامل أعمق، أبرزها طبيعة رئاسة ترامب نفسها، وانحياز واشنطن للمصالح الإسرائيلية، وغياب رؤية إسرائيلية لمستقبل غزة تشمل الفلسطينيين كأصحاب حق.


يرى المقال أن ترامب أضفى طابعًا شخصيًا على العملية برمتها، ما يجعل استمراريتها مرهونة ببقائه في السلطة، خاصة مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر 2026. ويطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى استثمار الأطراف السياسية وقتها ورأسمالها في خطة قد لا تعيش بعد نهاية رئاسة ترامب.


ينتقد الكاتب كذلك خضوع الولايات المتحدة للمطالب الإسرائيلية، ومنحها عمليًا حق تعطيل أو توجيه مسار التنفيذ. يشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجح في إدخال بنود تتعلق بنزع السلاح لم تكن مقبولة لدى حماس، وأن هذه المسألة بقيت عقدة أساسية تعرقل التقدم.


الأهم، بحسب المقال، أن إسرائيل ترفض تبني أي تصور لمستقبل غزة يستجيب للدعم الدولي المتزايد لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. تتباين دوافع هذا الرفض بين أيديولوجية وسياسة داخلية، إذ يطالب بعض شركاء نتنياهو بتطهير عرقي كامل وإعادة الاستيطان، بينما يرى تيار أوسع أن الأمن الإسرائيلي لا يتحقق بوجود فلسطينيين في غزة أصلًا.


يخلص الكاتب إلى أن حالة الجمود في غزة مرشحة للاستمرار طالما بقي نتنياهو في الحكم، وأن البدائل السياسية المطروحة لا تبدو أقل قتامة. ويؤكد أن الخطة الحالية، بدل أن تفتح أفقًا جديدًا، تُبقي غزة في حالة تعليق خطرة، تهدد الاستقرار الإقليمي، وتكشف مرة أخرى حدود المقاربات التي تتجاهل الحقوق الفلسطينية الجوهرية.

 

https://arabcenterdc.org/resource/phase-twos-baked-in-failure-why-the-chances-for-trumps-gaza-plan-are-dim/